يوميات بحيرة سان إغناسيو

معمارٌ مهولٌ

ارتفع في السماءِ

أبراجاً وقصوراً

منها ترنو أعينهم،

قاطنو النجومِ

المقيمون في الأعالي

كما يقيمون في الأسفل

يشِيْدون في الهواء

وفي عمق البحرِ

مجازَهم في حياتنا-

انزلاقةً يسيرةً

مثل حلم

إذ لا يدركُ الرجالُ أن شيئاً

بالِغَ الجبروتِ واليسْر في نفس الآن

يستحيل أن يكون إلا حلماً

في عالمٍ كهذا العالم.

 

أنفاسُ حيتانٍ

حولنا آناءَ الليلِ

وبالتمامِ، ما وراء الأضواء،

أطياف نوارس

تتبعُ السفينة

التي تلُوْح وكأنها تتنفس

غير أنها لا تمخر

في الجنباتِ اللا تُسبَر أغوارُها

للمحيط الهادي العظيم

.

.

تنهض من الصحراءِ الجبالُ

في المدى فوق "باها"

تنهض الحيتان من البحر

تنهض الجبالُ من البحر

تنهض الحيتانُ من الصحراء

 

الحيتان تبزُّ في طولِها الجبالَ

.

.

يقولون، حدَثَ مرةً أنِ اندفَنَ

رجُلٌ داخلَ حوت،

وجدَ سريراً ومائدةً هناك في العمق

وبعض إفطار،

وجد منضدةً ومكتبة

فنالَ مزيدَ المعارِف

(يقولون إن الحوتَ كاهنٌ شامان).

أُجْليَ من المدينة البشرية

ومضى إلى بحر الحيتان

مكتسياً بكلّ ما استجمعَه

عبر السنين من أثواب القبرِ

المكلَّلة بعِقْدِ الفيروز

وعِقْدِ اليَشْمِ

 

وخرزة وحيدة من البِرْذَون-

مترعاً جسدُه بالريح الطيّبة،

اندفنَ داخلَ الحوت

وكتَبَ، في موتِه، التراتيلَ المروعة

التي لم ترشح بأوهى ألمٍ منه،

أو تُسحَب غصباً مِن فمه

عبْرَ أسنانه

لمّا يزلْ وقعُها طيَّ وجدانه

.

.

يمسُّ بشرةَ الماء

إذ ينساب عكسَ الماء

زلّة زمن وئيدة

ويومضُ الجلد الأسود كهيكل

(يسمونه "الأشهب")

موشّى بالفروع،

 

اللمسة الخيالية

التي كان بوسع الرجال أن يلمسوها عبر القرون

(بدل المجزرة)

رغم أنهم أهرقوا ردحاً طويلاً

لبلوغ الشطآن

لبلوغ البحر

لبلوغ الجبال.

.

.

يا طيور أميركا

نحن على موعد معكِ جميعاً

في "باها" ذات السماء العذبة الزرقاء

التي وَخَطَها لونُ الرماد والرمل،

يأتي نداؤكِ من الجنوب،

من الشمال،

 

من فوق وتحت خطّ أسرابك المهاجرة،

فلتحطّي هنا، على أرض الصحراء،

حيث تلملم حبيبتي الأصدافَ،

أصدافاً من نوع واحد

أصداف هضبة فينوس،

تشكّلُها في الخارج بطريقة

تواجه الريحَ

كأنها تخطُّ كتاباً

لتقرأه الطيورُ.

تنصرف إلى الأمرِ الصباحَ بطولِه

بهدوء، كأيّ شغّيل،

بينما أُنزّهُ مخاوِفي

من شاطئ إلى آخر

مُهدِّئاً من رَوعها لمرأى الطيور.

في النهاية،

تضعُ ثلاثاً من أرياش البجع

عند رأس التشكيل

إلى جهة جبال سانتا كلارا.

 

أولُ مَدٍّ قادم

سيُعيدُ تلك الصلاة

إلى البحر

.

.

تقلّباتُ أحوال الحياة البحرية.

لَغْوِيَ قاصرٌ

أحتاج لأن أفقدَ رأسي أو قدميّ

وسماؤه واطئة للغاية

وعليَّ أن أتلاءمَ معها

مثل عملة العشرة سنتات في فتحة آلة البيع الذاتي.

إذا دخلتَ القمرةَ

اكسرْ ظهريَ،

وإذا دخلتُ، أكسر ظهرَك.

لكلٍّ منّا مرفقان مثخنان بالرضوض.

لا مكان تقعد فيه فتقرأ،

 

والمصابيح معطلة.

يفيض الماء في الحوض.

أما كيف بحق الجحيم أتينا هذا المكان

فذلك يعود لتقدير سيركِ حيواناتٍ ما

.

.

ضوء مبهِر

جبال باهتة، كثبان باهتة

غيوم باهتة في سماء زرقاء باهتة

قبّعة لامتناهية من الضوء فوق الجميع،

يُخرج البحرُ الحسرات

تحت القارب الصغير،

قلبه

مَطويٌّ بين صفحات البحر-

من الأعماق تصعدُ

في رذاذٍ مموسق

قوساً مقنطراً على الحوت

 

فقراته

تلتمع من خلال الجلد

ترسم دائرة حول

مسار القارب، يقولون،

مرَّ فوق رأسه شطرا الذيل سريعَين

حتى إنه بالكاد لمحهما

(رغم أنهما كانا أوسع من سقف بيته)

لكنه أحسَّ بانثناء

شعر رأسه الذي كانت الريح قد أوقفته من قبل.

وبدوره صعدَ القلبُ

الذي، في خشيته،

ربطَ البحرُ نفسه مسبقاً بأسراره

.

.

غابة من الحيتان،

وأرْزُ لبنان

بجذوره الضاربة في البحر

 

يتناوشان،

يتطلعان إلى الأسفل في وقت اللهو

على العالم البشري.

غابة رؤوس

تحدبُ على النبيّ

في تابوته المطاطي،

ممدداً بكل ما لديه من جواهر

تطوّق رقبته،

لا تزال أنفاسُ الحياة

في روحه المنفلتة

هي الغشاوة الأكثر رهافة

بين غمام الرذاذ

المتصاعد من الحيتان المبحرة،

ولسوف تميّز تلك الغشاوة

 

.

تتهاوى حيواتُنا،

بيوتُ الماء،

لحظةَ ينزلق الحوت

خارجاً من الماء

لامعاً ومكتملاً

دون أن يكمن ثمة مؤثِّر

وراء لياقته المطلقة

عبر ثمانية ملايين عام

وكلّ رحلة في البحر كما التي سبقتها.

تاريخنا الأخرق

سيلفظ أنفاسه الأخيرة

في سماء تتسع حتى لا حوافَّ لها.

 

 

 

 

 

المصدر: العربي الجديد

قراءة المزيد

قصائد الأيام الماضية

قائمة الشعراء