مسيرة المحيط

ميناء ليلي

الأضواء غريقة في الماء

وجوه بلا ذاكرة أو ترابط

تضيئها الأنوار العابرة لسفن بعيدة

ثم تغرق في ظلال الرحلة

أشرعة ماثلة مزية بمصابيح الحلم

كأجنحة مكسورة لملائكة آثمين

جنود بخوذات بين الليل ونيران الفحم

أيد جريحة كالاعتذار الذي جاء بعد الأوان.

 

سجناء مربوطون إلى المرسى

سلسلة حول عنق الأفق

وسلاسل أخرى في أقدام الأطفال

وفي أيدي الفجر التي تحمل باقة زهور.

 

والصواري عابرة على عد النجوم

بمساعدة ذاكرة معلمة مطمئنة

– باقة من نوارس في الفجر الساكن .

 

اللون يرحل عن وجه النهار

والضوء لا يستطيع العثور على تمثال

ليدخل ، فينال المجد والسكينة .

 

فهل سنظل – إذن –

نحمي بمرح الشمس المفتوح

الذي يفيض ببذور الزهور

على نفس المسيرة

على نفس الهدف

في شرايين الربيع الخصبة

عندما يستأنف السنونو دورانه

بحثا عن عدم عاشق

على القبة الزرقاء المنيعة ؟

 

أي جرح

لم يضمن لنا – حتى الآن –

أن نصل بجنة الرب إلى الكمال ؟

 

كانت لدينا حديقة على حافة البحر.

وكانت السماء تنزلق إليها من خلال النوافذ

فيما الأم جالسة على المقعد الخفيض

تطرز حقول الربيع مع أبواب مفتوحة في منازل

بيضاء

مع أحلام بجذوع الأشجار على السطح القش

مرسومة على زرقة فاتحة ناصعة.

 

لم تأت بعد

سأتطلع الى الغرب وأراك

– في شعرك بريق وردي

– في عمق البحر طيف ابتسامة .

 

أمي تمسك بيدي

لكنني وراء كتفها الحاني

وراء شعرها الشاحب

الذي يلتمع بأريج الصبر والنبل

أتطلع – في وقار- الى البحر.

 

هناك في منحنى الجبال الأزرق

يناديني أحد النوارس في أعماق المساء.

 

تهشمت المرآة التي رسمت حدود الفجر والحديقة.

وبالنايات الحرية للزهور

دفنا السونو الأول، أول أمس.

ثم جلس الأطفال وحيدين عند نافذة المساء

ليشهدوا الشمس المحتضرة.

 

وراء جدار الباحة الأبيض كان الطريق يصحو

وحالما تلاشى الضوء الذهبي في البعيد

صعد الظل الهائل للجبال

مع خطوة الموت الصامتة إلى أيدينا البيضاء

إلى قلوبنا

إلى جبهاتنا المحنية.

 

أمي، من الذي يدق

الجرس اللازوردي على الأفق ?

 

غيمة فضية بجوار القمر.

 

صيادون عجائز

لم يعد لديهم قوارب ، لم يعد لديهم شباك

يجلسون على الصخرة ويدخنون غلايينهم

يتأملون أحزان الترحال والظل.

 

لكننا لا نعرف شيئا

عن الرماد في مذاق الرحلة.

نعرف الرحلة ونصف دائرة الأفق

الأزرق الفاتح مثل الحاجب المخيف لإله البحر.

 

نقفز في القوارب

نرخي الحبال

ونغني للبحر

محدقن في الغيمة الفضية

بجوار قمر ربيعي.

 

أية مدينة مرصعة بالجواهر

تنام وراء الجبال ?

أية أضواء ترتجف في أغوار الليل

تنادي علينا؟

هناك قبور صغيرة بيضاء

لنوارس بريئة

بعيدا في جزر مهجورة مجهولة

لم تعرف سوى الضوء القادم من المحيط الليلي

هناك وضعنا أزهارنا الأولى .

شهقتنا الأولى والفكرة الأولى.

 

سمعنا أغنية البحر

فلم نعد بقادرين على النوم .

 

أمي

لا تمسكي بيدي .

 

البحر . . البحر

في عقولنا وأرواحنا وشراييننا البحر.

 

رأينا سفنا تحمل بلدانا أسطورية

هنا على الرمال الذهبية

حيث يتمشى عابرو المساء.

ألبسنا محبات طفولتنا طحالب مبلولة .

قدمنا الى آلهة الشاطئ حصى وأصدافا لامعة .

 

ألوان الصباح تذوب في الماء

ونيران الغروب على أكتاف النوارس

الصواري التي تشير الى اللانهاية

تفتح أبوابا عند حلول الليل

مرفرفة فوق نومنا الحجري

متألقة، أبدية.

وأغنية البحر

تأتي عبر النوافذ الصغيرة

فترسم حدائق وأحلاما مضيئة

على الجوانب الرطبة والجباه النائمة.

 

إيقاع مؤرق أليم

على الصخور القاحلة في الخارج نبصر الجمال

نحن الأطفال المشردين الحفاة

وفيما نمشي بأقدام عارية في البحر

نسمع صوته الذي يرتجف بأصداء هادئة

مع الوميض الفوسفوري للنجوم

التي تزرع حكايات ذهبية في الأعماق الخضراء.

 

قلب مهيب

قلب طفل بلا شبهة

لا تتبرأ منه أبدا.

 

مددنا أيدينا لنقطف زهورا من النجوم

لنقطف نجوعا من دقات قلوبنا

التي ردت على نداء البحر لنا

بأن نعتصم بحبل الجمال

ونحن نسافر الى اللانهاية

على طريق قمر الصيف الهائل

المرسوم على البحر المباح.

 

عرايا، تصارعنا على الرمال في الظهيرة

بأجساد مبلولة لأطفال الثانية عشرة من العمر

من أجل العناق لا الصراع

من أجل الصراع لا الانتصار

الانتصار وحده .

 

شعر ملحي

أفخاذ أحرقتها الشمس

الموجة الملهوفة في القبلة

البحر فيما ما وراء الفوران.

 

الظهيرة تنحدر صاخبة في زوبعات من نار

تطوي بيوت الصيادين بلهيب أبيض

فتحرق القلوب التي لا تقاوم .

 

خارج النوافذ نسيم البحر الرهيف

الوجه المضيء للسكون

في ذاكرة الصيف البيضاء

مع بصيص طيفي، داكن الزرقة

منحرف على وجنته الملساء.

 

نفس ذهبي لماء لا نهائي

شباك تتشمس على الصخور

قوارب مملوءة بفاكهة وزهور

وهناك بيوتنا

بيوتنا مكتوبة على البحر.

 

إيماء من الشاطئ

من الصخور الحمراء

من زهور الزنبق الصغيرة

والبنات.

 

من ينادي علينا

من شرفة بيتنا ؟

بنينا بيتنا في البحر

هناك لآلئ في الأصداف

وغابات مرجان هائلة في الأعماق المعزولة .

 

صنعنا ناينا من العظام التي أخرجها مساء أمس

في باحتنا غناء العاصفة .

 

أنصتي الى أغنيتنا ، يا أمي،

أغنية الرحلة الجديدة.

 

أنت يا من تنوحين على الموت

لا تعرفيننا.

 

البحر لا ينوح.

بل يغني .

 

متحررة من طقوس الأحد.

باحة مطلية بالأبيض

في مواجهة البحر برج الكنيسة الصامت

الذي دق يوم كل الأرواح للبحارة .

والآن يقهقه في ضوء الشمس .

 

في أفواهنا غليون أبينا

تحت قبعة المدرسة.

وعلى صدورنا مطرز الصليب الجنوبي

والعذراء العجوز.

 

بدلة بحار قاتمة مزررة حتى العنق

وعندما ترانا الفتيات

نتخذ المشية المائلة لقباطنة جابوا العالم.

ويرتعش في نظرات الفتيات

صوت غابة صباحية شاسعة

موسيقى حقيقية واضحة.

 

لكن فيما المنازل الساكنة تحيينا في حنان

بنبات المسك المتدلي على الجدار الأبيض

فسوف يدخلنا من جديد ، ليقهرنا من جديد

الضوء الباهر من المحيط العظيم .

 

ها أنت هناك أيها القبطان

تأكل خبزك الجاف على عجل

والزيتون الأسود المنقوع في الملح والشمس

على قمة صخرة منحدرة.

 

إنه وقت الإبحار

ونحن نلتقط أنفاسنا

يرتفع شراع الزفير الأزرق الفاتح

وطياته المضيئة تتماوج

وهي تتلاشى خلف الصدور الساكنة للجبال

النائية.

 

قلوبنا التي عرفت البحر

لا تعرف الحدود.

 

علم الصحة الراسخ مغروس في الصخر

يحيّي السماء ، يرفرف فوق الرجال .

وظلال باردة كبرى من بحر الصباح

مع جزر وأشرعة بيضاء

في الازدهار الكامل لمنتصف مايو.

 

القمر الفضي يعكس

جموعا زاحفة في عزلتها خلف الصخور.

على وسائد الطفولة أصداف صقيلة

وفي المحيط الأزرق للنوم

أصوات السرينات مع قياثرهن من عظام الأسماك .

 

آه يا ربة الجزيرة النائية

الرواسب الكلسية تتسلى في كهفك البحري

كأنها ترتل نوم السكون الشاحب

كأن صدرك الناصع يتنافس مع دائرة البحر الزرقاء

المضاءة بالنجوم

وهناك باقة ذهبية من نحل

حول النبع حيث يمرق الضوء في وهن

وهو يعطر ظل الأشجار الضخمة –

فأنت تعرف أن الماكر سوف يرحل .

 

– “لايرتيس” مع كلبه

سوف ينتظر فوق الصخرة سدى.

 

حين خرج عاريا من البحر

ذهبيا من ماء الفجر

فارتسمت عظام عانته في إطار الشمس

هربت ناوسيكا مع العذارى الفاتنات المرعوبات

خلف الأشجار

وأقدامهن الحافية ترفرف في الهواء كسرب حمام

وضوء أبيض ينعكس على العشب الأخضر.

 

. . . في الخارج على الشرفة بجوار البحر

مائدتنا المسائية المتقشفة

غمس الربيع الخبز القمحي في النبيذ

ورسم القمر في السر

على أباريق خزفية يونانية

مشاهد من طروادة .

 

كنت تعرفن أننا سنمضي، يا أمي،

وملحت عشاءنا بدمعة

وأنت محنية وحزينة تحت النجوم

والفتيات – اللائي كن خطيبات أوديسيوس –

تنهدن على عتبات نافذة الجزيرة .

 

سفحنا الدم والغلال مع الأشرعة العالية والغيوم

فوق المياه الناصعة

مع زوارق خشبية صغيرة في خلجان زرقاء

تفوح – في رقة – بالوداعات

مع القبلات بجوار القوارب عند حاجز الأمواج القديم

وراء طاحونة الهواء الصيفية المهدومة

متأهبين للرحلة الكبرى الى المجهول .

 

وعندما عدنا في المساء

بأيد دامية وركبنا مكسورة

حاملين غنائم التعب:

أيقونات مائية تتنكر للشكل

أجراس مساء وردية اللون

ندم الفوران

خواء الصراع –

هناك تحت ظل المقبرة عند البحر

أدركت عيون طفولتنا الصمت

سمعنا مجيء الليل

سمعنا ناي الجمال

الذي يمنح العزاء للجبين الحزين ،

ويبرر المصير .

 

من الذي يهشم روح الرب وفرحتنا

من الذي يقسم الصمت الى آلاف الأسماء والنجوم

التي تضيء في حركتها أيدينا

وترسم دوائر من العزلة على نفس البحر،

التي تستبقي نار الخلق

دون أن تبقى ؟

 

طيور البحر ترفرف عند كهوف الصخر الصامتة

رسوم لملائكة مطرزة بنجوم عند الحافة المتآكلة للماء

بالقرب من الحصى المقاوم

في الظل الأخضر لحاجز الأمواج

تحت العيون المدهوشة لأولاد حالمين .

 

جرح يوم الفراق

الذي يخط في الدم آفاقا وذكرى

يرسم نقيصة الرب

الإيماءة الحلم الخلق.

 

معرفة صامتة

في عيون الأطفال الواسعة

على الشفاه الحازمة للمراهقين

الذين لم يحصوا حطام السفن

معرفة تمجد النجوم المنفرطة من جرح الرب المفتوح

لتداوي جرح الإنسان.

 

أغمضنا عيوننا

في سريرنا الموروث الأبيض .

 

المصباح انطفأ

وفي إطار النافشة يومض البحر في السر.

خلف الأسيجة والأشجار

سمعنا صوته العالي ينادي علينا

فيملأ نومنا بمشاهد لازوردية

مزهرة بأشرعة في بياض الثلج

بحدائق من نوارس مستغرقة في التفكير بلا صوت

جاثمة على الحافة الصخرية للمجهول

فوق الهوة المظلمة الآسرة .

من هناك أسمتنا صيحة الرب .

 

غدا سنسبح من جديد

غدا سنرتحل من جديد .

غدا سيطالبنا الفجر بالصبر.

وسوف نرد على البحر.

 

كتبنا السطر الأول على الرمال

والصواري الصابرة ترقبنا في عبوس

والموج يهمس حنينا لا ينتهي .

 

أقمنا على الصخر كأننا منحوتون في سرب طائر

وحدقنا في أقمار تخط دوائر

تسألنا سر سفن تحمل أشباحا بيضاء

سر الرحلة التي لا تنتهي

والمرسى الذي لا يحتمل الماء

لمسنا جرحنا ووقتنا

وهربنا .

 

الرحلة دائما لنا

والهدير الدائم للبحر.

 

وصلت السفن عند الفجر

محملة بالقمح والفحم والنبيذ

من أجل القباطنة الحالمين

من أجل وقود النيران .

 

طوحت بالخبز والنبيذ والفحم

وبقيت عاريا في البحر

بلا رداء يغطي ضلوعك

أو حب يخبِّئ عينيك .

 

كانت الساعة ملونة كلؤلؤة سرية

للتأمل العميق للفجر

وصوتها البعيد مترع بالخطر والإغراء.

نظرت الى جسدك في الماء

فأحببت الماء ونسيت جسدك .

 

أيتها الرحلة بلا متاع

نار بلا فحم

جوع بلا خبز

عطش ونشوة بلا نبيذ.

 

فات الآن أوان الرجوع .

 

لو كانت الموجة أكثر دفئا من الحب

والسفينة أكثر دفئا من الميناء

أنت – نفسك – تعرف

أن الطيران يغنى في شعرك

وأنت تواجه الأفق بنفير البحر

صاخبا بارتحال أبدي .

 

رحلت السفن وتركتنا

بلا خبز أو نبيذ أو فحم

في منتصف البحر.

 

بكينا طوال الليل

انحنينا على نعش أبيض لنورس .

مصباح أمي يشرق من بيتنا

غصن نحيل من ضوء

في الكف الرهيفة للعذراء.

 

نوم ثقيل عند الفجر

في حكاية الأصداف

والشموع ذابت

في الكنيسة المجاورة للبحر.

 

وكانت السفينة تنتظر

بمقدمة منحوتة في ضوء الفجر

كسيف للريح.

 

النوم في هذا المساء بقلب ممرور

يشبه خبز صيادين في العاصفة

غدا سنقتلع الصلبان من المقبرة المجاورة للبحر

ونصنع قوارب الأطفال

وننحت في شواهد القبور

تماثيل صغيرة للجمال والبحر

لنملأ البيت المهجور

لنغوي الحياة وأنفسنا

رغم رب النكران

دون رب الرحمة .

 

ضاعت الصواري

غاص الدخان

وراء المنحنى الصامت للماء

مثل ركبة أم تنام

والرحلة الساهرة في صدورنا

ساهرة كالريح والبحر في المساء الشتائي .

 

تلال ناعمة تسافر في الضباب

والشمس المريضة ناعسة

على صخور المساء البليلة.

 

الكراكي في الأعالي

مثلث للندم .

 

قداس صغيرة للعزلة في مطر المساء

حامل أيقونات سان -نيقولا على الشاطئ

حيث يتوقف الخريف

ليلقي بعملة من الأسى المرير ورقة شجر صفراء

فيما هدير العاصفة يتلاشى على الرمال المظلمة

تحت ضوء النجوم الباكي في سبتمبر صامت .

 

فلتلملم مرمرا أزرق من أيام اللعب والبكاء الطفولية

فقد تنحت تمثال المحيط

ملطخا يديك بالدم في أصيل غائم

حينما يرسم الانعكاس الشاحب للبحر

دائرة من ندم مضيء

عاليا في الهواء الخاوي .

 

في البيت الأخضر الصغر على الشاطيء

فاجأنا الشتاء وحيدا.

 

الشرفات هجرت

وعلى الشاطيء الشاحب

يخطو الضباب بلا صوت .

 

أوراق صفراء فانية

موت صامت لليرقات

طحالب تسد الأبواب والطرقات

ذاكرة مشجرة بأشجار السرو.

 

عند منحنى الطريق ظل الصمت .

 

من النافذة رأينا آخر زوار الصيف يرحلون

والزورق الصغير سلاله فارغة .

 

السفن تنام في الميناء

وأعلام الريح الرمادية

ترفرف على الصواري العارية.

 

عما قليل سيأتي المطر المحزن

ليزيل الأسماء الغنائية

ورسوم الطفولة

ووميض البحر

من قوارب الصيف .

 

في ومضة ضوء

سنقرأ المصير في كفوفنا المفتوحة

ولن نملك كلمة واحدة نطعم بها العزلة

أو كسرتين من خبز لنطعم العصافير القليلة

التي تموت على الطريق المعزول.

 

الأشجار على جانب الرصيف محنية ومهجورة

– قشرة خشبية للصيف

في الغسق المنهوب .

 

أين ذهب أوركسترا الفتيات الصغيرات في الحديقة البحرية

هناك حيث سكر البحارة في المساء وسط الأشجار

وتقافزوا – راقصين في الهواء

لأن عملة القمر الذهبية انعكست

في شعر الفتاة خلف نباتات الريحان .

 

في الليالي

يتمشى الانعكاس الأخضر الهائل للبحر

وحيدا ، مهجورا على الصخور المنحدرة.

 

صامتين نمر خلال غرف مظلمة

أمام مرايا معتمة لم تعد تعرفنا

ونسمع خطى الصمت

والريح والبحر

على حواسنا الناعسة .

 

شيء ما من أمان الفراغ

باب موصد في المساء

أو موكب من أشجار السرو

مرسوم في الضباب الفضي لضوء النجوم الخريفي .

 

وعندما يهطل البدر المعزول بالصبر والسلوى

نفتح النافذة ونبتهل .

 

نحمدك يا رب

على أن تركتنا وحيدين هكذا محزونين هكذا

كي نستطيع التحديق بلا رهبة في السماء

ونكون أنقياء وبلا حدود مثل اللانهاية

منسيين ومجهولين مثل المجهول.

 

ليل. أقف في الباب المظلم

الجبل المخفي يمتد بعيدا

يتلو اسم الرب في العاصفة الثلجية للنجوم

في الظل الشفيف حيث ينام الرجال ويموتون

في العزلة التي تعيد صوتي ألف صوت .

 

أين ذهبوا جميعا

ليتركوني أحدق في كفي الخاويتين،

لأصادق الصمت والمطر؟

 

حزين حتى الموت

أرى السماء الخاوية

وأحتمي بغيمة كبيرة

وأنا مثل حمل حزين، مهجور ووحيد

في منتصف واد مظلم .

 

آه، يا رب، لماذا رحلوا عني جميعا؟

 

تحت ثيابي الممزقة

أمتلك قلب الطيور والأزهار الحاني،

(كم من ليلة بكيت فيها سرا

على جرح فراشة).

 

فليذهب كله. فلينهب كل شيء .

فسوف أبقى مرة أخرى قي مواجهة السماء الفسيحة

في مواجهة البحر الشاسع

لأغني بلا مرارة أو شكوى.

فليذهب كل شيء

فحينما أبقى وحيدا أقترب أكثر من الناس

فأقرب أكثر من الرب .

 

أسمع صوتي

مهجورا في الريح

وأدفئ أيامي .

جوقة طفولة تتبع المساء

وهي تعري الصمت

وهي تحيي الربيع .

 

لكنني ، يا أمي ، ما أزال بردان .

 

حل المساء.

جدا جد الخريف الأخيرة تتمازح في الظلال عند الأسيجة

بأصوات صغيرة واثقة.

فلتفتش قلبك

عن الشمس التي رحلت.

 

وإذ يمتد الشفق الى أرواحنا

سيقطر أريج وردة قطرة ندى على الرموش ،

والضوء الأخير للمساء

على يدين عاريتين معقودتين

على وجه تحول الى رخام

بفعل القوس الفضي للبحر.

 

أخذوا منا أغنية البحر

قيدوا أقدام بحرنا.

 

أطفال مدهوشون وصامتون بأهداب ملحية

بعيون زرقاء واسعة

نمر-خائفين – عبر مدن كبيرة

تحت مستشفيات تفوح بالنوم والعرق

تحت بيوت بمصابيح حمراء

تحت أبنية كبيرة

نبتعث ليل الدم والغنيمة .

 

أمي يا أمي

تنكرنا لحكمة دموعك الحانية

فأين يدك الغفورة باحتمالها الصبور

أين يدك

فلعلنا نسمع الفجر والبحر

وندفئ عزلتنا؟

أمي

السماء ماتت في دموع البريء.

قراءة المزيد

قصائد الأيام الماضية

قائمة الشعراء