ساحل دوفر

البحرُ ساجٍ هذه الليلةَ.

المدُّ في أقصاهُ ... والقمرُ يرقدُ في جمالٍ

على صفحةِ المضيق.

هناك ، في الساحلِ الفرنسي

تترقرقُ الأضواءُ ، ثم تخبو

وهنا تنتصبُ شواطئُ إنكلترا الصخريةُ

جليلةً .. وامضةً.. ناتئةً في الخليجِ الرائقِ.

تعالَي الى الشُبّاكِ يا حبيبتي ، عليلٌ نسيمُ الليلِ!

أنصتي! لا شيءَ سوى صلصلةِ الحصى

مِن هناكَ .. مِن خيطِ الرذاذِ الطويلِ

حيث يلتقي البحرُ بالأرضِ التي أنارَها القمرُ،

إذ يُجرجِرُهُ الموجُ ، ثم ينثرُهُ حين يعودُ

فوقَ الشاطئِ المُتعال ،

زاحفاً ، ساكناً ، زاحفاً من جديدٍ

في وقعٍ راجفٍ رتيبٍ

يسوقُ للقلبِ .. هذا اللحنَ السرمديَّ الحزين.

 

 

في زمانٍ سحيقٍ

أنصَتَ "سوفكليسُ" إليه

عندَ الشواطئِ الإيجيّة

وذَكَّرَتْهُ شقاءَ البشرِ ، في اضطرابِ مدِّهِ وفي الجَزْرِ.

مثلُهُ نحنُ نكتشفُ في ذا الصوتِ

فكرةً ... نسمعُها عند ذا البحرِ الشماليِّ البعيدِ

 

بحرُ الإيمانِ كان أيضاً

طافحاً ذاتَ يومٍ ، يلفُّ شاطئَ الأرضِ

كَطَيّاتِ زنّارٍ وضّاء.

لكنني لا أسمعُ الآنَ

غيرَ هديرِهِ المتراجعِ ، الكئيبِ ، الطويل

تجرجرُهُ أنفاسُ العواصفِ الليليةِ

لترميهِ ، هناكَ عند التخومِ الفسيحةِ القَصيَّةِ

وحصباءِ الأرضِ العارية

 

آهٍ حبيبتي ، لِنَصْدُقِ القولَ بيننا!

فالعالَمُ الذي ينبسطُ أمامنا

مثلَ أرضٍ للأحلامِ : جديداً ، جميلاً ، متلونا

لا يملكُ في الحقِّ : لا الحُبَّ ، لا الفرحةَ ، لا الضياءَ

لا اليقينَ ، لا السلامَ ، لا شفاءً من الآلامِ.

وها نحنُ هنا، كأننا فوقَ سهلٍ يغرقُ في الظلامِ

تجرُفُهُ صرخاتُ ذعرٍ حائرةٌ

من كَرٍّ وفَرٍّ

إذ تلتحمُ في دجى الليل ... جيوشٌ من الجاهلين !

قراءة المزيد

قصائد الأيام الماضية

قائمة الشعراء