رعاية

استيقظت ابنتي الصغيرة من نومها

وبكتْ فحملْتُها وضممْتُها إلى صدري،

دلّكتُ ظهرها إلى أن دبّ الدفء في راحة كفّي كمثل لحافٍ عائليٍّ قديم.

همستُ لها: "بابا هنا، بابا هنا!"

نحن في جزيرة أواهو التي تبعد 8500 ميل عن سورية.

ماذا لو أصبحت الرياح التجارية للمحيط الهادي فجأةً مروحيات

وقصفتنا عشوائياً بألسنة اللهب والمسامير والشظايا؟

ماذا لو أنَّ الظلال التي تنعكس على نافذتي ليست لأغصان شجرة الياسمين الهندي

بل لجنود وإرهابيين يتقدمون في الحرّ؟

هل سنصلُ في الوقت المناسب إلى قوارب اليأس

في البحر الأبيض المتوسط؟ وإذا ما حصل هذا

هل يمكنني أن أقوّم ساقيّ إلى صارية، تتوازن

ضدّ شد التيار ودفعه.

أهمسُ لابنتي: "البابا هنا، البابا هنا".

لكن هل لديّ قوة كافية كي أحملها عبر الأسلاك الشائكة والحقد العرقي؟

هل لدي قوة كافية كي أتوسّل: "من فضلكم ساعدونا، دعونا نعبر فحسب،

لسنا قنابل انتحارية". هل أتمتّع بقوة كافية كي أواصل سيري

بعد أن تتشقّق قدماي كالفلفل الحلبي في الحقول

بعد خمس سنوات من الجفاف، الذي أصاب الإنسانية أيضاً.

تهتزّ القطاراتُ والحافلات في طريقها جيئة وذهاباً إلى مراكز الحجز.

لكن، ماذا إذا لم نصل إلى اليابسة؟ ماذا

لو انقلب المركب؟ هل تستطيع نفخ جسدك إلى عوامة

لحمل طفلك فوق المياه المضطربة؟

أهمس لابنتي: "أبوك هنا، أبوك هنا!"

إنَّ الغرق هو التهويدة الأخيرة للبحر. وضعتُ ابنتي على السرير

بعد أن هدأ نَفَسها أخيراً كمدّ منخفض.

 

أقول للآباء والأمهات الذين تجرأوا على العبور:

تستحقون أنتم وأطفالكم حياة كريمة. آمل

أن يعلّم حبكم أمماً ينبعث منها المزيد من الكربون والعنف

أن تبدي عوضاً عن ذلك تعاطفاً أكبر. آمل

أن يصبح الفرق الوحيد بين لاجئ قانوني ومهاجر غير شرعي

هو مدى رغبتنا بفتح بيوتنا وتقديم المأوى

وأن نحمل بعضنا البعض نحو أفق الرعاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: العربي الجديد

قراءة المزيد

قصائد الأيام الماضية

قائمة الشعراء