المتوحش الأخير

1

خرجتُ من الوظيفة الأخيرة إلى الشوارع الفارغة. مر بجانبي

الهيكل العظمي، مرتجفا، معلقا في صارية شاحنة القمامة.

قبعات صفراء كبيرة كانت تحجب وجوه عاملي النظافة، رغم ذلك اعتقدت أنني تعرفت عليه:

صديق قديم. ها نحن هنا!، قلت لنفسي حوالي مائتي مرة،

حتى اختفت عربة القمامة في إحدى النواصي.

 

2

لم يكن ثمة مكان أذهب إليه.

لوقت طويل كنت أتجول حول السينما

باحثا عن كافيتريا، عن بار مفتوح،

لكن الغريب أن المباني بدت فارغة،

كما لو أن ساكنيها لم يعودوا يعيشون هناك.

لم يكن لدي ما أفعله سوى أن أدور وأتذكر

ولكن حتى ذاكرتي بدأت تخونني.

 

3

رأيت نفسي كـ “المتوحش الأخير” راكبا

دراجة نارية بيضاء، قاطعا شوارع باخا كاليفورنيا. على يساري البحر،

على يميني البحر

وفي الوسط علبة مليئة بالصور

كانت تتلاشى تدريجيا. هل ستبقى العلبة فارغة في النهاية؟

هل ستذهب الدراجة مع الغيوم؟

هل ستذوب باخا كاليفورنيا و“المتوحش الأخير”

في الكون، في العدم؟

 

4

ظننت أنني تعرفت عليه: تحت القبعة الصفراء لعامل النظافة

صديق من أيام الشباب. لا يقر له قرار أبدا. أبدا يبقى لوقت زائد في مقام واحد.

عن عينيه السوداوين كان يقول الشعراء: كطائرتين ورقيتين معلقتين فوق المدينة.

بلا شك الأكثر شجاعة. وعيناه

كطائرتين ورقيتين سوداوين في الليل الأسود. معلقا في صارية

شاحنة القمامة كان الهيكل العظمي يرقص على أنغام شبابنا.

الهيكل العظمي يرقص مع الطائرات الورقية ومع الظلال.

 

5

كانت الشوارع فارغة. كنت بردانا وفي رأسي

تدور أحداث “المتوحش الأخير”. فيلم أكشن، بخدعة:

كانت الأشياء تحدث ظاهريا. في الخلفية وادٍ هادئ،

متحجر، في مأمن من الريح والتاريخ. الدراجات النارية، نار الرشاشات،

التخريبات المتعمدة، الثلاثمائة إرهابي ميت،

في الواقع كانوا مصنوعين من جوهر أخف من الأحلام.

بريق يرى ولا يرى، عين ترى ولا ترى. حتى عادت الشاشة بيضاء

وخرجتُ إلى الشارع.

 

6

ما يحيط السينما، المباني، الأشجار، صناديق البريد،

فتحات المجاري، كل شيء يبدو أكبر بعد مشاهدة الفيلم.

كانت بطانة السقف كشوارع معلقة في الهواء.

أكنت قد خرجت من فيلم الثبات ودخلت إلى مدينة عمالقة؟

لوهلة فكرت أن الأصوات والمنظورات تصيب بالجنون. جنون طبيعي.

دون حوافٍ. حتى ملابسي كانت هدفا لعملية تحول! مرتعشا، وضعت يدي في جيب

جاكتتي الحربية السوداء وأخذت أمشي.

 

7

تابعت أثر شاحنة القمامة دون أن أعرف يقينا

ما الذي كان بانتظاري. كانت الشوارع كلها تصب في الاستاد الأوليمبي هائل الحجم.

استاد أوليمبي مرسوم في فراغ الكون.

تذكرت ليالي دون نجوم، عيني مكسيكية، مراهقا بجذع عارٍ ومطواة.

أنا في الموضع الذي يُرى فقط بطرف الأصابع، فكرتُ. هنا لا يوجد أحد.

 

 

8

كنت قد ذهبت لأرى “المتوحش الأخير” وعند خروجي من السينما

لم أعرف أين أذهب. بشكل ما كنت أنا

شخصية الفيلم ودراجتي النارية السوداء

كانت تقودني مباشرة إلى الدمار. لا مزيد من الأقمار اللامعة

على الفاترينات، لا مزيد من شاحنات القمامة، لا مزيد

من المفقودين. كنت قد رأيت الموت يجامع الحلم وكان جافا ساعتها.

قراءة المزيد

قصائد الأيام الماضية

قائمة الشعراء